الحكيم الترمذي

84

كيفية السلوك إلى رب العالمين

بما يعطي لغيره ، وعلوّه وارتفاع قدره ، ويأنف من الشيء التافه أن يعطى . وكذلك قال : يا موسى ثوابي على قدر عظمتي ، فقال في تنزيله في تلك الآية : إن الخشية للعلماء ، ثم قال : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [ فاطر : 28 ] . ورأى أن العلماء إذا لاحظوا جلالي خشوني ، فإذا لاحظوا عزّي وفخري ومجدي ورأفتي وسعة مغفرتي وفسح رجائي وعفوي ؛ دخلت الخشية ممازجة عملهم بهذه الأشياء ، فحقق الخشية . وأمّا الخوف فمن المشاهدة ، فإذا شهدوا العظمة ذهبت هذه العلوم ، ووقفوا في بحر العظمة ، فمثلهم كمثل رجل كان في أنهار ، فقطع تلك الأنهار إلى البحر ، فهو في تلك الأنهار على اختلاف الأحوال من الأنس والوحشة ، فإذا وقع في البحر ذهب علم الأنهار وأخذه هول البحر ، والأنهار شعب البحر ، فراكب الأنهار كلما تخلله وحشة من مشقة من هذه الأنهار أنسته أخرى ، فإذا صار إلى البحر طمّ هول البحر على الجميع ، وذهب بالأنس والوحشة ، وصارت كلها أهوالا ؛ لأن الأنهار منها نهر ساكن لين ، ونهر جرّار ينصب من الصخور والأحجار ، فتراه يسير ويجري وثابا واستنانا ، فصاحبه في وحشة منه وخوف ، فإذا وقع في نهر ساكن لين اطمأنّ وسكن وأنس به ، فإذا صار إلى البحر هاله ، وأخذ بمجامع قلبه ، وصار معلق القلب . فكذلك صاحب الخوف معلّق القلب بمشيئته ؛ لأنه في بحر العظمة وهول المشيئة ، ماذا يخرج من عظمته ؟ وماذا يرون من مشيئته ؟ فصاحب الخشية منبسط متجمّل ، وصاحب الخوف منقبض وسط الخوف ، فالخشية تحول بينه وبين المعاصي ، وحركاتها في الباطن نائمة ، وتطلع رؤوسها ، أعني : تلك الشهوات ، والخوف ييبس رطوبة تلك الشهوات وحياة النفس في الباطن ، فتيبس الشهوات ، تصير النفس خاشعة كأنها لبدة حلقة ملقاة ، لا تكاد تفيق . فالخوف للرسل والأنبياء - صلوات اللّه وسلامه عليهم - والخشية للصدّيقين ، ومثل العامة المستورين في الخشية كمثل رجل دخل مرجا له طول وعرض على شاطئ واد ، فقد علم يقينا أن فيه أسدا ، فهو يسير في ذلك المرج عرضا وطولا مع الأمن ، وربما اعتراه خوف قليل إذا ذكر الأسد ، وقد علم أن فيه أسدا ، ولكن لسعة هذا المرج وعظم مسافته يخيّل إليه أنه إذا ذكره أنه منه بعيد ، وإذا وجد خبر البعد اطمأنّت النفس ، فتخطّى في ذلك المرج يمينا وشمالا على طمأنينة النفس ، وأنسه بتلك الحوائج ،